المدير العام السابق لسوناطراك عبد المجيد عطار يفكك الوضع الطاقوي الوطني والعالمي ويصرح لـ”إيكوزوم”:”معدل سعر البرميل لن يتجاوز 40 دولار في 2020 وعلينا تفعيل تدابير إضافية في قانون المالية التكميلي لمواجهة الازمة”

يسجل برميل النفط مستويات أقل من 30 دولار، ما هي في نظركم الأسباب الرئيسية لذلك؟

الوضعية الحالية للسوق البترولية استثنائية حقا، وهي حالة لم تسجل في وقت سابق، على اعتبار أنّ الأسباب مختلفة كليا عن تلك التي أدت إلى انهيار أسعار المحروقات في الماضي منذ 1973، إذ أن الأمر يعود إلى وضعية مرتبطة بعطب اقتصادي عالمي جراء عامل شامل وغير متحكم فيه في الوقت الراهن (الوباء)، وهو يدفع إلى تراجع استهلاك الطاقة بصفة متنامية على مستوى جميع مناطق العالم، ولاسيما بالنسبة للبلدان التي تعتبر عادة كبار المستهلكين للطاقة في آسيا، أوروبا وأمريكا.

لابد من العلم أنّ 50 في المائة من الإنتاج العالمي من البترول يستهلك في مجال النقل والمنشآت القاعدية، غير أنّ استهلاك قطاع النقل حاليا تراجع في الفترة الحالية ما بين 60 إلى 70 في المائة، وهي نفس الوتيرة التي عرفتها استهلاك في المجال الصناعي المتراجع من حيث الطلب من 40 إلى 50 في المائة، فيما تبقى النشاطات الإنسانية أو الصناعية الأخرى تعتمد أساسا على الكهرباء، التي تنتج لحسن الحظ من الغاز الطبيعي، الامر الذي يعتبر خبر سار بالنسبة للصناعية الغازية، ثم من الفحم، الطاقة النووية وبنسبة أقل النفط المستخرج من البترول.

ومن هذه المنطلقات، لا ينبغي الاعتماد كثيرا على الطلب العلمي على الطاقة، إذ تشير العديد من التحاليل إلى أنّها ستتراجع بحوالي 20 مليون برميل في اليوم، كون هذا الطلب يحتكم أساسا إلى المضاربة الهادفة إلى لوضع مخزونات على الأرض وفي البحر أيضا بنفط متدني السعر، في انتظار ارتفاع السعر مرة أخرى، بينما التراجع الحالي الذي تعرفه السوق العالمية لا يحمل أي رؤية مستقبلية عن مدتها أو آجال استئناف الأسعار مجددا.

ما هي البلدان الأكثر هشاشة في هذ السياق، وهل تعتبر الجزائر واحدة منهم؟

الدول الأكثر تطورا (آسيا، أوروبا، وأمريكا الشمالية) هم الأكثر تأثرا بسبب تباطؤ الاقتصاد العالمي، كما هو الشأن بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية التي تأثرت بشكل محسوس بتهاوي صناعتها البترولية التي تعتبر قطاعا استراتيجيا بالسنبة لها، جراء انهيار انتاجهم للغاز والبترول الصخري الذي انطلق فعلا، مؤديا إلى افلاس العديد من الشركات وتهديد 2000 مليار دولار المسخرة لهذا القطاع، أما بالنسبة للدول الأخرى المنتجة للمحروقات، كما هو الشأن بالسنبة للجزائر التي تقوم على مداخيل الريع، ستتأثر بشكل مضاعف بسبب تراجع المداخيل، لاسيما وانّ الاقتصاد غير قادر على تغطية الاحتياجات الوطنية، ومن هنا أعتقد أنّ حرب الأسعار التي فجّرتها المملكة العربية السعودية غير مفيدة لأي بلد منتج بداية بالسعودية نفسها.

ما هو السعر أو المعدل المناسب للاقتصاد الوطني، لتحقيق التوازن والتخفيف من وطأة العجز؟

قانون المالية 2020 كما تمت المصادقة عليها في السابق تعتمد على سعر مرجعي للبرميل بـ50 دولار، وهي أصلا تمثل برنامج أزمة يمثل عجز موازني بـ8.6 في المائة، تراجع واضح للجباية البترولية بحوالي 19 في المائة، وانخفاض كبير في الواردات بنسبة 12 في المائة بالنسبة للسلع و16 في المائة للخدمات.

وعلى هذا الأساس، فإنّ السعر الذي يحقق التوازن للاقتصاد الوطني كما تمت المصادقة عليه يقدر من الناحية النظرية بـ80 دولار للبرميل، الذي من شأنه أنّ يحقق التوازن ويقلص من العجز وحماية بعض المشاريع التنموية المبرمجة. أما على أساس مؤشرات أسعار النفط الحالية المقدرة بمتوسط بقيمة 40 دولار خلال الثلاثي الأول من السنة الحالية، وتوقعات بأن يتراوح من 30 إلى 35 دولار في الثلاثي الثاني، إذا أخذنا بعين الاعتبار التوجهات الأكثر تفاؤلا، بينما لن يفوق في السداسي الثاني من السنة مع احتمال تراجع وانحصار الوباء 40 دولار، وبالتالي فإنّه إذا سارت الأمور كما هو المتوقع فإنّ المعدل السنوي لبرميل النفط لن يتجاوز في أفضل الأحوال سعر 40 دولار.

هذا المستوى من سعر البرميل قد يتلاءم مع القرارات الحكومية الأخيرة المتعلقة بتخفيض فاتورة الواردات الوطنية بـ10 مليار دولار، وتقليص نفقات واستثمارات مجمع سوناطراك بـ7 مليار دولار، وتوقيف عقود الخدمات والمكاتب الأجنبية، وتخفيض نفقات التجهيز، بالإضافة إلى تأجيل بعض المشاريع غير ذات الأولوية، وعلى الرغم من ذلك فإنني أعتقد أنّ ذلك يبقى غير كاف ويحتاج للتفكير في تدابير تكميلية في قانون المالية التكميلي، من منطلق أنه لابد من الاخذ بعين الاعتبار نفقات إضافية على قطاع الصحة جراء محاربة الوباء، في سياق تشجيع ترقية الإنتاج الوطني، إذ أنّ الجزائر لابد أن تحضر لمرحلة الاعتماد على النفس، بالموازاة مع الاعتماد في الوقت الرهن على القدر الأدنى من التضامن الوطني في هذا المجال.

هل يمكن أن تنتعش أسعار البرميل في الأيام أو الأسابيع القليلة المقبلة؟ (في إطار جولات المفاوضات بين أوبك والمنتجين من خارجها)

لا يجب الاعتقاد أن التوقعات التي أشرت إليها آنفا متشائمة، بل هي واقعية، إذ أنّ الانتعاش على المستوى العالمي والوطني كذلك إذا حدثت فستكون بطيئة، في عالم سيهتم فيه كل طرف بتحقيق مصالحه الخاصة.

ليس ارتفاع أسعار البرميل من ستمكننا من التصدي للأزمة التي ستستمر خلال السنة الجارية، ولا رفع انتاج الغاز والبترول التي توجد أصلا في مستوياتها القياسية، فضلا عن تراجع الطلب في العالم في سنة 2020 واحتمال في سنة 2021 كذلك، وبالتالي فإنّ حرب الأسعار ستجد نهايتها في جميع الأحوال لأن الأطراف المتسببة فيها مهما كانت أهدافهم قاموا بجلد ذواتهم بهذه الطريقة، بما فيهم الولايات المتحدة الامريكية حتى وأن كانت لها موارد كثيرة لاستخدامها في حالة انتعاش محتمل، واعتقد أنّ هذه المرحلة ستكشف عن مفاوضات جديدة في إطار  أوبك +، لكن ستبقى غير كافية، باعتبار أنّ الأزمة أثرت كثيرا على سير العملية الاقتصادية في العالم، ومن  محتمل أنّ تعرف تغيّرا جذريا في السنوات القادمة.

ومن هذا المنطلق، فإنّ الجزائر الآن عدم تعليق الآمال على المحروقات خارج إطار الأمن الطاقوي، وهو الأمر الذي لن يتأتى إلى من تنوع اقتصادي حقيقي، المستند بشكل أساسي على العمل كقيمة، والموارد المستدامة، وكذا انتاج وطنية، وهو الامر الذي يتطلب حد أدنى من التضحية بالمقارنة مع الرفاهية الماضية، من خلال تفعيل تضامن وطني الذي لا يمكن تجاهل أهميته.

عماد الدين شريف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق